المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آداب الحـــــــوار العلمي


أميرة الجندي
23-Apr-2010, 11:55 AM
الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين,
ثم أمـا بعــد: أحبتي في الله:
لا يخفى على كل ذي بصيرة ما ابتليت به أمتنا الإسلامية من الفتن التي هبت رياحها وتعددت مسمياتها وأساليبها فتجد أقواما يقذفون المسلمين بالبدعة والكفر والشرك والجهل في أمور خلافية ليست مجالا لأي وصف من تلك الأوصاف . بل ليست محلا للتخطئة والتجهيل ، فكيف بالتبديع والتكفير,
إذ إن الكثير من الأمور الخلافية سبقهم إليها أئمة من ذوي الروايةوالروية ، ولا ينبغي أن يعيب مقلد على مقلد ولا مجتهد على مجتهد فضلا عن تكفيره أوتفسيقه ،
وإن الداء الأكبر الذي استشرى في جيلنا ، وأدى إلى ظهور هذه التناقضات هو غياب سنة الحوار المحمود وإدراك أساليبه وقواعده والتأدب بها دون جرحأوتنطع ،
فقواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إذ أن بلوغ الحق هو المطلوب ,
إخوتاه : إنالبناء الفقهي الإسلامي العظيم لم ينشأ من فراغ ، وإنما نشأ عن مناهج وأسس وضوابط وموازين علمية دقيقة إتبعها أصحاب المذاهب في الاستنباط والاستخراج , وعليه فإن غياب هذه الأسس والمناهج في الحوار والاختلاف أوقعنا في منكرات القول والفعل وكأن الأمر معركة سياسية أو انتخابات برلمانية؛
إخوة الإيمان :إن من أهداف الحوارومقاصده إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي . والسير بطرق الاستدلالالصحيح للوصول إلى الحق , إذا علمنا هذا فلا بد من التجرد في طلب الحق ، والحذر منالتعصب والهوى ، وإظهار الغلبة والمجادلة بالباطل ،
أيها الأحبة : إن مما ينبغي على المحاور أن يلتزم بالآداب والأخلاق الإسلامية للحوار الهادف الخاليمن الرأيالشخصي والعصبية العمياء وأن يكون حذرا من قوله تعالى :http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifإن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبرما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصيرhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gifسورة غافر ، آية56؛
وقال عز وجل:http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريدhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gifسورة الحج ، آية 3.
وقال عليه الصّلاة والسّلام "
(أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاوببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) . أخرجه أبو داود ، والطّبراني ،
ثم إليك أخي المبارك بعضا من أصول وقواعد الحوار إيجازا بدون تفصيل ,
1- تحد يد الهدف وهو إيصال الحق والتوصل إليه,
2- الإتفاق على مرجع يُرجع إليه والأصول المرجعية عند المسلمين جميعا هي الكتاب والسنة,
3 – عدم مناقشة الفرع قبل الإتفاق على الأصل لأن الحوار حينئذ لن يكون ذا جدوى ,
4-التأدب مع الخصم والتلطف معه فإنه أدعى لقبول الحق .

" آداب المناظرة المباحة "


أولا:"الإخلاص في النّيّة "
فيكون القصد من المناظرة النصح وإظهار الحق، وليس للمغالبة. قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (ومن ذلك: أن المجادلة إنما وضعت ليستبينالصواب، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلىدليل، وإذا خفي على أحدهم شيء نبهه الآخر، لأن المقصود كان إظهار الحق).

ثانيا: " أن تكون بالكتاب والسنّة"


قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذاتنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله سبحانه:http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifيا أيهاالذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif.سورة النساء ، آية 59.
ثالثا: "أن يكون المناظر ملما بالمسألة التي يناظرفيها"


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (....وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورةومنا صحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمةوأخوة الدين)؛؛
رابعا: " ضبط النّفس وعدم الإنفعال"


عن ابن عون رحمه الله أنه إذا أغضبه رجل، قال له: بارك الله فيك؛ وروي عن يوسف ابن الإمام ابن الجوزي من ضبط نفسه في أثناء المناظرة: أنه كان يناظر، ولا يحرك جارحة ؛ ووردعن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة: أنه كان لا يناظر أحدا إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بالتبسم؛؛
خامسا: " المبادرة إلى الرجوع عند ظهور الحق معصاحبه"


فالرجوع إلى الحق وترك ما سواه من خصال أهل الحق، كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. فقال :
"ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإنالحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"

سادسا: "عدم التشهير بالخصم عند غلبته "


فبعض الناس إذا تمكن من غلبة أخيه في مناظرته له، جعل تلك المناظرة فاكهة مجالسه، فيتحدث بها مع كل جليس، وكيف أنه دحض حجج خصمه، وتمكن من تزييف قول صاحبه, وهذا تصرفٌ مشين، وربما يجر إلى باب الرياء والسمعة، ويسبب فينفور الخصم عنه ونشوء الشحناء بينهما؛ قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : " ومن ذلك: ترخصهم في الغيبة بحجة الحكاية عن المناظرة، فيقول أحدهم: تكلمت مع فلان فما قال شيئا ؛ ويتكلم بما يوجب التشفي من غرض خصمه بتلك الحجة".
سابعا: " إغلاق باب المناظرة عند إصرارالخصم"


فربما يترتب على استمرار المناظرة بوادر الشحناءوالبغضاء، فيغيب الهدف من المناظرة. وينصب الشيطان رايته وألويته؛ والأولى أن يلطفالكلام لصاحبه الذي يناظره، ونقل الحديث إلى موضوع آخر لكي يخف الوطأ ومن ثم يزولبالكلية، فإذا رأي بعد ذلك مصلحة في إعادة المناظرة فليفعل، لكن بأسلوب يكسب به وُدأخيه، وترده عن كيد الشيطان، وإن رأى أن المصلحة في عدم فتح باب المناقشةفليفعل؛؛؛


وأخيرا: فقد قال الإمام الزاهد أبو عبدالله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة .رحمه الله تعالى :" فالذي يلزم المسلمين فيمجالسهم ومناظراتهم في أبواب الفقه والأحكام تصحيح النية بالنصيحة واستعمال الإنصافوالعدل ومراد الحق الذي قامت به السماوات والأرض فمن النصيحة أن تكون تحب صوابمناظرك ,ويسوؤك خطأه كما تحب الصواب من نفسك ويسوؤك الخطأ منها . فإنك إن لم تكنكذلك كنت غاشّا لأخيك ولجماعة المسلمين وكنت محبا أن يخطأ في دين الله وأن يكذبعليه ولا يصيب الحق في دين الله ولا يصدق " ؛؛ نسأل الله تعالى عونا على أمور دينناودنيانا, وإخلاصا وصدقا في أقولنا وأعمالنا , إنه سميع قريب مجيب الدعــــاء؛؛


"دمتم في حفظ الله ورعايته "


"المراجع"


كتاب" تعريف الخلف بمنهج السلف, للدكتور إبراهيم بن محمد بن عبد الله البريكان .
كتاب "معالم في طريق طلب العلم, للشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان .
كتاب"المناظراتوآداب الحوار, إلكتروني